أبي بكر الكاشاني

116

بدائع الصنائع

غير عوض هو تفسير الهبة وكذا قوله جعلت هذا الشئ لك وقوله هو لك لان اللام المضاف إلى من هو أهل للملك للتمليك فكان تمليك العين في الحال نمن غير عوض وهو معنى الهبة وكذا قوله أعطيتك لان العطية المضافة إلى العين في عرف الناس هو تمليكها للحال من غير عوض وهذا معنى الهبة وكذا يستعمل الاعطاء استعمال الهبة يقال أعطاك الله كذا ووهبك بمعنى والنحلة هي العطية يقال فلان نحل ولده نحلي أي أعطاه عطية والهبة بمعنى العطية وقوله أطعمتك هذا الطعام في معنى أعطيتك وقوله حملتك على هذه الدابة فإنه يحتمل الهبة ويحتمل العارية فإنه روى أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما حمل رجلا على دابة ثم رآها تباع في السوق فأراد أن يشتريها فسال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لا ترجع في صدقتك فاحتمل تمليك العين واحتمل تمليك المنافع فلا بد من النية للتعيين ولو قال منحتك هذا الشئ أو قال هذا الشئ لك منحة فهذا لا يخلو اما أن يكون ذلك الشئ مما يمكن الانتفاع به من غير استهلاك واما أن يكون مما لا يمكن الانتفاع به الا باستهلاكه فإن كان مما يمكن الانتفاع به من غير استهلاك كالدار والثوب الدابة والأرض بان قال هذه الدار لك منحة أو هذا الثوب أو هذه الدابة أو هذه الأرض فهو عارية لان المنحة في الأصل عبارة عن هبة المنفعة أو ماله حكم المنفعة وقد أضيف إلى ما يمكن الانتفاع به من غير استهلاكه من السكنى واللبس والركوب والزراعة لان منفعة الأرض زراعتها فكان هذا تمليك المنفعة من غير عوض وهو تفسير الا عارة وكذا إذا قال لأرض بيضاء هذه الأرض لك طعمة كان عارية لان عين الأرض مما لا يطعم وإنما يطعم ما يخرج منها فكان طعمة الأرض زراعتها فكان ذلك حينئذ إعارة ولصاحبها أن يأخذها إذا لم يكن فيها زرع وإن كان فيها زرع فالقياس أن يكون له ولاية القلع كالبناء والغرس وفي الاستحسان يترك إلى وقت الحصاد باجر المثل وسنذكر وجهيها في كتاب العارية ولو منحه شاة حلوبا أو ناقة حلوبا أو بقره حلوبا وقال هذه الشاة لك منحة أو هذه الناقة أو هذه البقرة كان عارية وجاز له الانتفاع بلبنها لان اللبن وإن كان عينا حقيقة فهو معدود من المنافع عرفا وعادة فأعطى له حكم المنفعة كأنه أباح له شرب اللبن فيجوز له الانتفاع بلبنها وكذلك لو منحه جديا أو عناقا كان له عارية لان الجدي بعرض أن يصير فحلا والعناق حلوبا وان عنى بالمنحة الهبة في هذه المواضع على فهو ما عنى لأنه نوى ما يحتمله لفظ وفيه تشديد على نفسه وإن كان مما لا يمكن الانتفاع به الا بالاستهلاك كالمأكول والمشروب والدراهم والدنانير بأن قال هذا الطعام لك منحة أو هذا اللبن أو هذه الدراهم والدنانير كان هبة لان المنحة المضافة إلى مالا يمكن الانتفاع به الا بالاستهلاك لا يمكن حملها على هبة المنفعة فيحمل على هبة العين وهي تمليكها وتمليك العين للحال من غير عوض هو تغييرا لهبة هذا إذا كان الايجاب مطلقا عن القرينة فأما إذا كان مقرونا بقرينة فالقرينة لا تخلو ( اما ) إن كان وقتا ( واما ) إن كان شرطا ( واما ) إن كان منفعة فإن كان وقتا بأن قال أعمرتك هذه الدار أو صرح فقال جعلت هذه الدار لك عمري أو قال جعلتها لك عمرك أو قال هي لك عمرك أو حياتك فإذا مت أنت فهي رد على أو قال جعلتها لك عمري أو حياتي فإذا مت أنا فهي رد على ورثتي فهذا كله هبة وهي للمعمر له في حياته ولو رثته بعد وفاته والتوقيت باطل والأصل فيه ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أمسكوا عليكم أموالكم لا تعمروها فان من أعمر شيئا فإنه لمن أعمره وروى جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل أعمر عمري له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا يرجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعمر عمري حياته فيه له ولعقبه يرثها من يرثه بعده فدلت هذه النصوص على جواز الهبة وبطلان التوقيت لان قوله جعلت هذه الدار لك أو هي لك تمليك العين للحال مطلقا ثم قوله عمري توقيت التمليك وانه تغيير لمقتضى العقد وكذا تمليك الأعيان لا يحتمل التوقيت نصا كالبيع فكان التوقيت تصرفا مخالفا لمقتضى العقد والشرع فبطل وبقى العقد صحيحا وإن كانت القرينة شرطا نظر إلى الشرط المقرون فإن كان مما يمنع وقوع التصرف تمليكا للحال يمنع صحة الهبة والا فيبطل الشرط وتصح الهبة وعلى هذا يخرج ما إذا قال أرقبتك هذه الدار أو صرح فقال